السلمي

144

تسعة كتب في اصول التصوف والزهد

تعالى . وإن قصده وهو راجع إلى شيء من أسبابه وأوصافه ضيّع وقته ولم يؤثر فيه كلام الحكيم . قال أبو يزيد 1 رحمة اللّه تعالى : « كن بلا شيء حتى يكون لك كل شيء » . ويجب على المقصود أن يدلّ القاصد على ما لا بد منه من أحكام الشريعة في الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج . ويدلّه على تعلّم كتاب اللّه تعالى ودرسه . ثم على طلب قوت حلال ، وبذل الوسع والجهد فيه ، ثم على ترك الدنيا والإعراض عنها والإقبال على الآخرة وعلى ما يفوته منها على دوام الأوقات ، وعلى قلّة الأكل وقلّة النوم وقلّة الكلام ، وعلى الخلوة والعزلة وقلّة الانبساط وقيام اللّيل وكثرة البكاء على ما سلف من أيامه وتضييع أوقاته وخسرانه عمره ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ( 1 ) أبو يزيد البسطامي : طيفور بن عيسى بن سروشان ( 261 ه / 874 م ) . كان جدّه سروشان مجوسيّا فأسلم . وهم ثلاثة اخوة : آدم ، وطيفور ، وعلي . وكلّهم كانوا زهّادا ، عبّادا ، أرباب أحوال ، وهم من أهل بسطام . وأسند الحديث . سئل أبو يزيد : « بماذا يستعان على العبادة ؟ » ، فقال : « باللّه إن كنت تعرفه » . وقال : « أدنى ما يجب على العارف أن يهب له ما قد ملّكه » . وقيل له : « بأي شيء وصلت إلى المعرفة ؟ » فقال : « ببطن جائع وبدن عار » . وقال : « إذا رأيتم الرجل قد أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغترّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود ، والوقوف عند الشريعة » . وله مقامات ومجاهدات مشهورة وكرامات ظاهرة . وفي نفس الوقت حكيت عنه شطحات ناقصات مثل : « سبحاني ما أعظم شأني » . وقد تأوّلها كثير من الفقهاء والصوفية وحملوها على محامل بعيدة . وقد قال بعضهم : إنه قال ذلك في حال الاصطلام والغيبة . ( طبقات الصوفية للسلمي : 67 ، الرسالة القشيرية : 16 ، البداية والنهاية : 11 / 34 ، ميزان الاعتدال : 1 / 481 ، طبقات الشعراني : 1 / 61 ، تذكرة الأولياء : 1 / 115 وغير ذلك ) .